الجصاص

41

الفصول في الأصول

وأما الإخبار بالكذب عن شئ واحد ، فإنه ليس هناك داع يدعو الجماعات التي وصفنا حالها إلى اختراعه ، والإخبار به ، ولا سبب يجمعهم على وضعه ، بل الدواعي متفقة في الزجر عن الكذب والإشاعة ، ( 1 ) فإن اتفق هناك سبب يجمعهم على نقله من تواطؤ وتراسل ، فإن مثله لا يخفى ، بل يظهر وينتشر في أسرع مدة ، حتى يضمحل ويبطل . وعلى أنا قد شرطنا في ذلك : امتناع التواطؤ والتشاعر فيه ، على حسب امتحاننا لأحوال الناس ، فما كان بهذا الوصف فإنه يوجب العلم بمخبره لا محالة ، وليس سبيل الإخبار في هذا السبيل اعتقاد المذاهب الفاسدة ، وإن لم يجز على مثلهم اختراع خبر لا أصل له من غير تواطؤ ، من وجهين : أحدهما : أنا رجعنا في الأمرين جميعا إلى امتحان أحوال الناس ، فوجدنا مثل هذه الجماعات التي وصفنا أمرها ، لا يجوز منها وقوع الاتفاق على اختراع خبر لا أصل له ، ووجدناهم يجوز منهم الاتفاق على اعتقاد مذهب فاسد ، فإنما رجعنا في الأمرين جميعا إلى الموجود من أحوالهم ، فيما صح وقوعه منهم ، وفيما امتنع . والوجه الثاني : أنا منعنا وقوع اختراع لا أصل له منهم ، لما ذكرنا من اختلاف هممهم وأسبابهم ، ودواعيهم ، وأن جماعتهم يستحيل أن يخطر ببال كل واحد منهم أن يبتدئ اختراع خبر في شئ لا أصل له ، في الوقت الذي يخطر ببال صاحبه . فإذا كان هذا وصفهم ، لم يجز أن تتفق دواعيهم على نقله والإخبار به ، لأن ما لا يجوز خطوره ببال جماعتهم في وقت واحد فالإخبار به ونقله أبعد في الجواز ، فلذلك لم يصح وقوعه منهم . وأما اعتقاد مذهب من المذاهب الفاسدة ، فإنهم لا يصيرون إليه ، ولا يتفقون عليه ، إلا بدعاء داع لهم إليه ، أو لشبهة يدخل عليهم في جواز اعتقاده فيعتقدونه . ونظير ذلك من الأخبار : أن يدعوهم ويجمعهم جامع على التواطؤ على اختراع خبر لا أصل له ، وقد يتفق مثل هذا ، إلا أنه لا يتفق فيمن وصفنا حالهم ، وإن اتفق التواطؤ من جماعة فلا بد من ظهور أمره وانتشاره ، ولا بد من أن يضمحل ويبطل ، فلذلك اختلف حكم الأخبار والاعتقادات . فإن قال قائل : قد نقلت اليهود والنصارى قتل المسيح عليه السلام وصلبه ، وقد كذبوا في ذلك ، ونقلت المجوس أعلام زرادشت ومعجزاته ، وهو كذاب ، مع اختلاف